فلسفة غزواني (16) : قضية لحراطين/ محمد افو

تتأسس البنية الاجتماعية والرمزية التي شكّلت المحضن التاريخي لرواسب الماضي  على منظومات تقليدية معقدة، وهو ما يفرض بالضرورة إحداث قطيعة وجدانية وإبستمولوجية تنقل الحوار العام نحو تشييد نموذج فكري بديل يتجاوز المقاربات القاصرة التي تنشغل بالأعراض والنتائج عن جوهر القضية .  فالمنظومات الفكرية والاجتماعية تظل عاجزة عن تقديم حلول حقيقية ما لم تثُر على نموذجها الإرشادي السائد والمأزوم لتتبنى نموذجاً جديداً يملك أدواته ومبرراته الخاصة. 

  فالهياكل التراتبية داخل المجتمعات ،لا تتفكك إلا ببناء نموذج فكري قادر على تقويض منظومة التبرير الثقافي و الولوج الواعي إلى المخيال الجمعي الذي يمنحها مسوغات الاستمرار والصلابة ؛ وهو ما يحتم إعادة صياغة عدسات الرؤية الوطنية لتنطلق من مربع المواطنة الدستورية الصرفة كإطار مرجعي وحيد يفرغ التمايزات القديمة من محتواها الرمزي.

و في هذا الإيطار لا يمكن لأي مهتم بهذه القضية إلا يمر مرورا جادا بالرؤية الاستراتيجة للرئيس  محمد ولد الشيخ الغزواني؛ وهي مثلت  مشروعاً وطنياً سيادياً يملك بحق ميزة  التأسيس لـ "باراديغْم" سياسي جديد يكرس مفهوم الدولة المسؤولة عن إنتاج النموذج الفكري فقد تجاوز هذا المشروع كل المقاربات التقليدية القائمة على الاسترضاء أو الاحتواء( إو هما معا) 

. لقد تأسست. هذه الرؤية على أربع مرتكزات هامة وغير مسبوق 

أولها : دخول الدولة كطرف في التصور 

ثانيها : المعالجة الابستمولوجية 

ثالثا : مأسسة الحلول

رابعا : الدمج المنتظم بين البعدين الاستعجالي والاستراتيحي 

ظهر  العمق السياسي في خطاب وادان ، الذي نفذ مباشرة إلى المرتكزات الفكرية للامتياز والتراتبية، معلناً بداية عهد جديد تتحول فيه مؤسسة الدولة إلى فاعل سيادي يقود معركة الوعي من هرم السلطة عبر التوجيه الصريح لـ "التخلي نهائيا عن بقايا هذه الثقافة التمييزية، وبأن نطهر مسلكياتنا من الأحكام المسبقة والصور النمطية، الزائفة". 

ولم تقف الفلسفة السياسية للرئيس عند حدود هذا التشخيص الهيكلي، بل امتدت لتصاغ في قالب ميثاق وطني جامع تجسد في "نداء جول". ؛ حيث تحول الخطاب الرسمي هناك من رصد الخلل إلى تشريع الممارسة الجمعية الكفيلة بالانعتاق الاجتماعي والسياسي، داعياً كافة مكونات المجتمع إلى الاتحاد من أجل "تجاوز رواسب الظلم وعدم الإنصاف في موروثنا الثقافي". 

ثم جاء أبلغ تجسيد  لهذه الرؤية على أرض الواقع من خلال هندسة السياسات التنموية والميدانية الشاملة الموجهة لإدماج الطبقات الهشة عبر التدخلات الاجتماعية المستدامة والتوزيع العادل للثروة الوطنية. وتتجلى نجاعة هذه المقاربة السياسية في تبني إستراتيجية التمييز الإيجابي في مجالات متعددة  كالمنح الجامعية لصالح أبناء الفئات المغبونة تاريخياً، وباستحضار ما سينتج عن ذلك من تشكيل رافعة تنموية حقيقية وصناعة نخب فكرية جديدة تكسر احتكار الفرص وتدفع بالحراك الاجتماعي نحو التضامن والعدالة . ويتكامل هذا التحول المعرفي مع تشييد منظومة المدارس الداخلية في عمق "آدوابه" والقرى الريفية النائية؛ ضمن برنامج موسع لبناء المدرسة الجمهورية  وهي خطوة إستراتيجية تهدف إلى انتشال الأجيال الصاعدة من دوامة الجهل المكرس للتبعية، وتوفير بيئة تعليمية حاضنة تصهر الفروق الفردية في بوتقة الهوية الوطنية الجامعة.

إن المتأمل في السجالات والنقاشات المتعددة الأوجه التي دارت في الأسابيع الماضية حول قضية لحراطين، يدرك أن النخب السياسية في بلادنا لا تزال عالقة في قاموس ماقبل 2019 ، وأنها في الغالب لم تستوعب ما حدث بعد هذا التاريخ. 

أن الفلسفة السياسية للرئيس غزواني جاءت  تتويجا  لنضالات الموريتانيين جميعاً بكافة قواهم الحية؛ إذ نجحت هذه الفلسفة لأول مرة في تاريخ القضية في تجاوز الدوران في خضم التوصيف إلى الفعالية العمومية .

 لقد ارتقت الدولة بهذا الملف المعقد والمزمن نحو نموذج فكري  مزج بين الفاعلية التنموية والتفكيك الإبستمولوجي  

 

 

j