في مسارات بناء الدول، لا تكون التحديات الكبرى دائمًا تلك التي تظهر في الأزمات الظاهرة أو في الأرقام والتقارير، بل تلك التي تتسلل بهدوء إلى تفاصيل الحياة اليومية، فتؤثر على ثقة الناس، وعلى صورة المؤسسات، وعلى الإحساس العام بالعدالة وتكافؤ الفرص. ولعلّ الفساد، بمختلف أشكاله الإدارية والمالية، يظل من أكثر هذه التحديات تعقيدًا وتأثيرًا، لأنه لا يستنزف الموارد فقط، بل يُربك العلاقة بين المواطن والدولة، ويؤخر أثر أي مشروع إصلاحي أو تنموي مهما كانت أهدافه واضحة.
ومن هذا المنطلق، بدا خلال السنوات الأخيرة أن هناك توجهًا أكثر جدية في التعاطي مع هذا الملف، من خلال إصدار التشريعات، وتعزيز آليات الرقابة، واستحداث الهيئات المعنية بالحكامة والشفافية. وهي خطوات تعكس إدراكًا متزايدًا بأن بناء الدولة الحديثة لا يمكن أن يكتمل في بيئة تختلط فيها المسؤولية بالمجاملة، والحق بالنفوذ، والكفاءة باعتبارات أخرى تُضعف ثقة المواطن وتؤثر على فعالية الإدارة. غير أن التعامل مع الفساد يظل أكثر تعقيدًا حين يتعلق الأمر بظاهرة ترسخت عبر عقود، وانتشرت بصور متفاوتة لما يزيد على ثلاثين سنة، حتى أصبحت بعض مظاهرها جزءًا من الممارسات اليومية التي اعتاد عليها الناس في الإدارة والمجتمع على حد سواء.
ولذلك، فإن تقييم أي مقاربة لمحاربة الفساد ينبغي أن يتم بقدر من التوازن والواقعية، بعيدًا عن المبالغة في التهوين أو التهويل. فمن غير الدقيق إنكار وجود إرادة معلنة لمحاربة الفساد داخل النهج القائم، حتى وإن اختلفت الآراء حول مستوى الفعالية والنتائج. فبعض الأصوات التي تحاول تصوير المشهد وكأن لا شيء قد أُنجز، تبدو أقرب إلى خطاب يختطف العناوين أكثر مما يقرأ الواقع بكل تفاصيله. لأن وجود النقص أو محدودية الأثر لا يعني غياب المحاولة، كما أن الاعتراف بالجهود لا يلغي الحاجة إلى تطويرها وتعزيز نتائجها.
وفي السياق نفسه، يبقى من المشروع أيضًا أن يُنتظر من النهج القائم مزيد من الجرأة والسرعة في ترسيخ ثقافة الشفافية، خصوصًا فيما يتعلق بنشر تقارير أجهزة الرقابة وتعميم نتائجها للرأي العام في الوقت المناسب. لأن أي تأخر ـ مقصودًا كان أو غير مقصود ـ في إتاحة هذه التقارير يفتح المجال أمام التأويل، ويُضعف الأثر المعنوي والردعي الذي يفترض أن تُحدثه، كما يُبقي جزءًا من الرأي العام في حالة انتظار لنتائج لا تكتمل صورتها دائمًا بالوضوح المطلوب.
وفي الإطار ذاته، فإن بعض المقاربات التي اعتمدت في معالجة ملفات معينة، والقائمة على تسديد الأموال المختلسة أو المستحقة للدولة بدل الذهاب مباشرة إلى المسار القضائي، يمكن النظر إليها باعتبارها مقاربة عملية تضع استرجاع المال العام في مقدمة الأولويات، وهو أمر مفهوم من زاوية مصلحة الدولة. فاستعادة الأموال تبقى، في كثير من الأحيان، أكثر فائدة للمرفق العام من الاكتفاء بالعقوبات السالبة للحرية. غير أن ما يستحق التوقف عنده بهدوء هو أن إعادة تكليف بعض من ارتبطت أسماؤهم بتلك الملفات بمسؤوليات جديدة- ان صح ذلك - قد يبعث برسائل مرتبكة، وربما يخلق شعورًا بأن المحاسبة لم تكتمل بالصورة التي تعزز الثقة وتحصّن الإدارة من تكرار الأخطاء نفسها.
غير أن الإشكال الأعمق يظل في الاعتقاد بأن الدولة وحدها قادرة على حسم هذه المعركة مهما اتسعت أدواتها الرقابية والتشريعية. فالواهم حقًا هو من يعتقد أن مقاربة الدولة وحدها يمكن أن تشكل حلًا كافيًا لمحاربة الفساد دون مساهمة فعلية من المجتمع. فهذه الظاهرة لا تعيش داخل الإدارات فقط، بل تجد أحيانًا ما يغذيها في السلوك اليومي، وفي التساهل الاجتماعي، وفي تبرير بعض الممارسات حين ترتبط بالمصلحة أو القرابة أو النفوذ.
ومن هنا، فإن الذين يحمّلون النظام وحده كامل مسؤولية محاربة الفساد يتقاضون عن حقيقة جوهرية، وهي أن هذه الظاهرة لا تستمر فقط بسبب ضعف الرقابة أو القوانين، بل أيضًا بسبب القبول المجتمعي ببعض ممارساتها، والتعايش معها حين تخدم المصالح الضيقة أو العلاقات الخاصة. فالدولة تستطيع أن تضع النصوص وتفعّل الأجهزة، لكنها لا تستطيع وحدها أن تبني ثقافة النزاهة داخل وعي المجتمع ما لم تتوفر إرادة جماعية حقيقية لمواجهة هذه الظاهرة.
ولهذا كله، فإن ما يفرض نفسه بهدوء هو أن أثر الجهود القائمة ما يزال دون مستوى التطلعات التي ينتظرها المواطن في حياته اليومية. فما تزال بعض الممارسات تجد طريقها إلى الإدارة والخدمة العامة، سواء بسبب التراخي أحيانًا، أو ضعف المتابعة، أو استمرار أنماط من التفكير ترى في تجاوز الإجراءات أمرًا عاديًا ما دام يحقق منفعة شخصية أو يخدم دائرة ضيقة من العلاقات.
فالفساد لا يؤخر المشاريع والخدمات فقط، بل يخلق شعورًا خطيرًا بأن الفرص لا تُمنح دائمًا على أساس الكفاءة، وأن الوصول إلى الحقوق قد يصبح مرتبطًا أحيانًا بالقرب والمعرفة أكثر من ارتباطه بالقانون. وحين يتسلل هذا الإحساس إلى وعي الناس، تتراجع الثقة تدريجيًا، ويصبح الإصلاح أبطأ مما ينبغي، مهما كانت النوايا جادة.
وهنا تتضح طبيعة الإشكال الحقيقية؛ فالفساد ليس مجرد خلل إداري يمكن احتواؤه بالنصوص وحدها، ولا مجرد تجاوزات فردية تُعالج بالعقوبات فقط، بل هو سلوك يتغذى أيضًا من الصمت المجتمعي، ومن اعتياد بعض الممارسات حتى تفقد حساسيتها الأخلاقية مع الوقت. ولذلك، فإن القوانين ـ مهما بلغت صرامتها ـ تظل محدودة الأثر ما لم تتحول النزاهة نفسها إلى ثقافة مجتمعية راسخة.
ومن غير المقبول أيضًا أن نحمّل الدولة أو النهج وحدهما كامل المسؤولية، ثم نعفي أنفسنا ـ أفرادًا ومجتمعًا ونخبًا ـ من دورنا في تكريس بعض السلوكيات التي نعرف جميعًا أنها تُضعف قيم العدالة والانضباط. إذ لا يمكن المطالبة بدولة صارمة، مع الاستمرار في تبرير الوساطة حين تخدم مصالحنا، أو التساهل مع التجاوز حين يرتبط بقريب أو بمعرفة أو بانتماء ضيق.
فالمعركة الحقيقية ضد الفساد تبدأ أولًا من التربية على احترام النظام، ومن ترسيخ فكرة أن المال العام ليس موردًا مباحًا، وأن الوظيفة مسؤولية قبل أن تكون امتيازًا، وأن حماية الدولة لا تكون بالدفاع عن الأخطاء أو الصمت عنها، بل بالمساهمة في تصحيحها ومنع تكرارها.
إن الإصلاح الحقيقي لا يُقاس فقط بعدد القوانين أو الهيئات، بل بمدى قدرتنا جميعًا على بناء وعي جماعي يرى في النزاهة قيمة عليا، وفي احترام القانون مصلحة مشتركة لا عبئًا مفروضًا. وعندما تتحول هذه القناعة إلى سلوك يومي داخل الإدارة، والمدرسة، والأسرة، والإعلام، يصبح التغيير أكثر عمقًا واستقرارًا.
لأن أخطر أنواع الفساد ليس فقط ما يحدث في الخفاء، بل ما يعتاد عليه الناس تدريجيًا حتى يتوقفوا عن اعتباره خطرًا، ويصبح التعايش معه جزءًا من الحياة اليومية.








