ليست التحولات الكبرى في حياة الدول تلك التي تعلنها الخطب، وإنما تلك التي تكشفها الوقائع المتتابعة. وفي موريتانيا، تبدو الأسابيع الأخيرة حافلة بإشارات تستحق القراءة؛ حوار وطني يجري الإعداد له على قاعدة توسيع المشاركة، ومشاريع تنموية تتسارع بوتيرة غير مسبوقة، ومناخ سياسي يميل إلى التهدئة، وقرارات تحمل في مضمونها رغبة في طي صفحات من التوتر والانصراف إلى أولويات البناء.
قد يختلف الناس في تقييم كل خطوة على حدة، لكن من الصعب إنكار أن هذه المؤشرات، إلى حد الساعة، ترسم ملامح نهج يبدو أقرب إلى تعزيز دولة المؤسسات، وترسيخ فكرة أن إدارة الشأن العام ينبغي أن تقوم على الحوار والتنمية والاحتكام إلى القانون. وهي قراءة تبعث على التفاؤل، لا لأنها تعني أن الطريق قد اكتمل، وإنما لأنها تعكس إرادة في الانتقال من إدارة الأزمات إلى بناء قواعد أكثر استقراراً للحياة العامة.
ولعل القرار الأخير للمجلس الدستوري بشأن فقدان الحقوق المدنية والسياسية يمثل هو الآخر محطة ذات دلالة في هذا المسار. فبعيداً عن أطراف النزاع وما قد يثيره من تباين في القراءات، فإن القيمة الحقيقية للقرار تكمن في تأكيده أن الحقوق السياسية، بما لها من حماية دستورية، لا تُقيد ولا تُسلب إلا في الحدود التي يرسمها القانون، وأن المرجعية الحاكمة في هذا المجال تظل هي النصوص القانونية والمؤسسات الدستورية المختصة. وهي رسالة تنسجم مع جملة المؤشرات التي أفرزتها المرحلة الراهنة، والتي توحي، إلى حد الساعة، بأن النهج العام يمضي في اتجاه جعل دولة القانون الإطار الناظم لإدارة الشأن العام، باعتبارها الضمانة الأمتن للاستقرار، والثقة، وتعزيز شرعية المؤسسات.
غير أن التجارب تعلمنا أن أي مشروع للإصلاح لا يكتمل بمجرد إطلاق المبادرات، وإنما بمدى انسجامها مع بعضها البعض. فالحوار لا يزدهر إلا في ظل الثقة، والتنمية لا تؤتي ثمارها إلا في بيئة مستقرة، والاستقرار لا يصمد طويلاً ما لم يكن القانون هو المرجع الذي يحتكم إليه الجميع.
ومن هنا تكتسب قضية استمرار عضوية النائبتين في الجمعية الوطنية أهمية تتجاوز حدود الأشخاص أو الانتماءات السياسية. فالقضية، في جوهرها، ليست سؤالاً عن موقف سياسي، بل سؤال عن كيفية تطبيق القانون عندما يتعلق الأمر بحقوق ذات طبيعة دستورية وسياسية.
إن الدولة التي تختار الحوار نهجاً، والتنمية أولوية، والتهدئة خياراً، هي نفسها الدولة التي ينتظر منها أن تجعل احترام النصوص القانونية جزءاً من هذا النهج. فليس هناك ما يعزز الثقة في المؤسسات أكثر من شعور المواطن بأن القانون يُطبق وفق شروطه وإجراءاته، دون استعجال ودون تأخير، ودون تأثر بحسابات الظرف السياسي.
ولهذا، فإن النقاش القانوني الدائر حول الشروط التي علق عليها المشرع ترتيب بعض الآثار المترتبة على الأحكام القضائية لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره مواجهة مع القضاء أو اعتراضاً على أحكامه، وإنما باعتباره نقاشاً مشروعاً حول كيفية احترام القانون نفسه. فالقانون لا يكتفي بتحديد الجزاءات، بل يحدد أيضاً اللحظة التي تبدأ فيها آثارها، وهذه اللحظة ليست مسألة شكلية، وإنما ضمانة من ضمانات العدالة وسيادة القانون.
إن قوة الدولة لا تقاس بقدرتها على اتخاذ القرارات، وإنما بقدرتها على الالتزام بالقواعد التي وضعتها لنفسها. فحين تحترم الدولة نصوصها في القضايا السهلة والصعبة على السواء، فإنها ترسل رسالة طمأنة إلى الجميع بأن المؤسسات أصبحت أقوى من التجاذبات، وأن القانون أصبح المرجعية التي لا تتبدل بتبدل الظروف.
ولعل هذا هو الرهان الحقيقي للمرحلة الراهنة. فالموريتانيون لا ينتظرون مشاريع تنموية فحسب، ولا حواراً سياسياً فحسب، بل ينتظرون أن يروا في كل ذلك ملامح دولة حديثة، يكون فيها القانون هو الحكم بين الجميع، وتكون فيها المؤسسات هي الضامن لاستمرار الاستقرار.
إن المؤشرات المتوفرة حتى الآن تدعو إلى قدر من التفاؤل. غير أن هذا التفاؤل سيصبح أكثر رسوخاً عندما يترسخ في الوعي العام أن احترام القانون ليس مجرد شعار يرفع عند الحاجة، وإنما قاعدة تحكم جميع القرارات، مهما كانت حساسيتها. فعندها فقط، لن يكون الحوار مناسبة سياسية عابرة، ولن تكون التنمية مجرد برنامج حكومي، بل سيكون الاثنان معاً جزءاً من مشروع وطني متكامل عنوانه: دولة القانون








