خلال حلقة نقاشية بثّتها قناة TTV خُصصت لمناقشة الوضعية الاجتماعية والاقتصادية لمكوّنة الحراطين (العرب السمر) في موريتانيا، برزت بعض المداخلات التي اتجهت، بصورة لافتة، نحو طرح تصورات وأفكار بدت بعيدة عن روح النقاش الهادئ والمتوازن؛ فمنها ما أوحى بفهم ملتبس لمعنى العدالة وعلاقتها بمبدأ المساواة، ومنها ما اقترب من قراءات لا تنسجم مع المضامين الدستورية الناظمة لمؤسسات الدولة، وفي مقدمتها مؤسسة رئاسة الجمهورية. ومثل هذه الطروحات، حين تنفصل عن المرجعيات الجامعة وعن النقاش الرصين، قد تُضعف قدرة الحوار على إنتاج أفكار عملية وهادفة تخدم المعالجة الحقيقية للقضايا المطروحة.
ولعلّ ما زاد من تشويش بعض النقاشات أن جزءًا منها بدا أقرب إلى السعي وراء التأثير اللحظي وإثارة الانتباه، أكثر من انشغاله ببناء مقاربات هادئة وقابلة للإسهام في الحل. فالقضايا الكبرى، بطبيعتها، تحتاج إلى عمق في الطرح واتزان في اللغة، لا إلى مناخ يطغى فيه هاجس الحضور الإعلامي على متطلبات الفهم المسؤول. كما أن من الحكمة أن تُدار مثل هذه الملفات الحساسة داخل الفضاءات الإعلامية والندوات بقدر عالٍ من المسؤولية، بما لا يتيح المجال لتحويلها إلى مادة للمزايدة أو الاستثمار الخطابي بعيدًا عن مقتضيات المعالجة الجادة والمتزنة.
وفي هذا السياق، جرى استحضار نماذج مثل هايتي أو الكونغو الديمقراطية (زائير سابقًا) في معرض الحديث عن العبودية ومخلفاتها، غير أن هذا الاستحضار، في تقدير موضوعي، يفتقر إلى الدقة التحليلية اللازمة لفهم خصوصية السياق الموريتاني وتعقيداته التاريخية والاجتماعية، كما أنه يُحمّل النقاش إسقاطات لا تساعد على بناء فهم متزن لطبيعة الواقع الوطني ومسارات تطوره.
ذلك أن الحالة الموريتانية تتمايز، في بنيتها ومسارها التاريخي، عن تلك التجارب؛ إذ لم تعد العبودية، بصفتها ممارسة قائمة، موجودة، كما أن الدولة قطعت خلال السنوات الماضية أشواطًا معتبرة في سنّ ترسانة قانونية حديثة، وبناء أطر مؤسسية متخصصة، واعتماد سياسات اجتماعية تدريجية تستهدف معالجة مخلفات هذا الإرث، ضمن مسار إصلاحي هادئ يوازن بين حساسية البنية الاجتماعية وضرورات التحول.
ولعلّ من المفارقات اللافتة أن يتسع الحديث عن هذا الملف، وبنبرة عالية أحيانًا، في مرحلة تشهد أصلًا اعتماد مقاربات أكثر شمولًا ووضوحًا لمعالجة مخلفات العبودية ضمن البرامج والإصلاحات التي أطلقها محمد ولد الشيخ الغزواني، والهادفة إلى مقاربة هذا الموضوع بصورة أكثر عمقًا واستدامة. وهو ما يجعل بعض أشكال الاستحضار المتكرر، في هذا التوقيت تحديدًا، مثيرًا للتساؤل من حيث جدواه واتساقه مع منطق الاعتراف بالتحولات الجارية، خصوصًا عندما يغيب عن الطرح أي تقدير لمسار المعالجة القائم أو لما تحقق فيه من خطوات متدرجة.
ومن هنا، فإن إعادة استحضار تجارب مثل هايتي أو الكونغو الديمقراطية خارج شروطها التاريخية والاجتماعية لا ينسجم مع مقتضيات التحليل الموضوعي، بقدر ما يدفع النقاش نحو مقارنات قصوى تُربك الفهم وتُضعف القدرة على مقاربة الواقع كما هو، لا كما تُسقِطه النماذج الخارجية عليه.
ومن ثمّ، فإن بعض أنماط الاستحضار والمبالغة في توصيف الواقع تقترب، في دلالتها، من التهويل أكثر مما تعكس تحليلًا رصينًا، خاصة إذا ما أُخذ بعين الاعتبار ما يميز السياق الموريتاني من تماسك اجتماعي نسبي، واستقرار مؤسسي متدرج، رغم استمرار تحديات اجتماعية واقتصادية تستوجب المعالجة الهادئة والعميقة بدل التبسيط أو الاستعجال.
وفي المحصلة، فإن مقاربة هذا الملف تبدو أكثر جدوى حين تُفهم بوصفها مسارًا إصلاحيًا تراكميًا يُدار بعقلانية وهدوء، بعيدًا عن منطق التخويف أو إسقاط المقارنات القصوى، وبما يسمح بتعزيز الفهم المتبادل وترسيخ مسارات العدالة والإنصاف دون تشويش على طبيعتها التدريجية.
فالملفات الوطنية الكبرى لا تحتاج إلى مزيد من الضجيج بقدر ما تحتاج إلى قدر أكبر من الحكمة والإنصاف. وحين يتحرر النقاش من الانفعال ومن الرغبة في لفت الانتباه، يصبح أكثر قدرة على خدمة الحقيقة، وأكثر اقترابًا من بناء وعي جماعي يُساند الإصلاح بدل أن يستهلكه في الجدل.








