لقاء الرئيس والصحافة: مساحة للتقييم المتبادل أم محك للمهنية؟/فاطمة عمار

شكل المؤتمر الصحفي الأخير للسيد رئيس الجمهورية محمد ولد الشيخ الغزواني حدثا سياسيا وإعلاميا بارزا لم تقتصر أهميته على مضامين الأسئلة والإجابات المباشرة بل امتدت لتكشف عن طبيعة العلاقة الثلاثية بين السلطة والصحافة والرأي العام. 

فقد جاء المؤتمر كسلاح ذي حدين أتاح للرئيس فرصة تعزيز حضوره السياسي وإظهار قدرته على عرض ما يحتاجه من معلومات عن كل الملفات الوطنية 

فعندما يجلس رئيس الدولة أمام الصحافة لا يكون وحده محل المتابعة.

فالصحافة أيضًا متابعة من طرف الرأي العام من حيث أولوياتها ومنهجها في إدارة الحوار وطريقة تناولها للقضايا العامة.

لهذا يمكن النظر إلى المؤتمر باعتباره مساحة للتقييم المتبادل أكثر من كونه مناسبة لتبادل الأسئلة والأجوبة.

لقد تناولت الأسئلة السياسة والاقتصاد والقانون والفساد والمأمورية الرئاسية وصفقات التراضي والاتهام بالثراء الغير مبرر وهي قضايا حاضرة بقوة في النقاش السياسي في الشارع الموريتاني ومن الطبيعي أن تحظى باهتمام الصحافة.

غير أن السؤال الذي يطرح نفسه هو:

هل استطاعت الأسئلة أن تقدم صورة متوازنة عن اهتمامات المجتمع بكل أبعادها.

فالرأي العام لا يعيش السياسة فقط بل ينشغل كذلك بقضايا المعيشة، والتعليم، والصحة، والتشغيل، والخدمات الأساسية، والتنمية المحلية. فالمؤتمرات الصحفية الكبرى تكتسب قيمتها حين تنجح في الجمع بين مساءلة السلطة في القضايا السياسية ونقل هموم المواطنين اليومية إلى أعلى هرم في السلطة.

وهنا أتاح المؤتمر للرئيس فرصة للتعرف بصورة مباشرة على طبيعة الأداء الإعلامي المحلي علي مستوى الإعداد وترتيب الأولويات والقدرة على الاستقصاء والمهنية...

وفي المقابل وفر المؤتمر للإعلام فرصة نادرة للاستماع مباشرة إلى رئيس الجمهورية بعيدا عن البيانات الرسمية أو التصريحات غير المباشرة.

و قداكتشف المواطن أن قوة الإعلام لا تقاس بقربه من السلطة وإنما بتمسكه بأصول الممارسة الصحفية فالصحفي حين يقف أمام رئيس الجمهورية لا يكون متحدثا باسمه بل باسم المواطنين ولا يحمل مشاعره الخاصة بل يحمل أسئلتهم وآمالهم وآلامهم ويحافظ على المسافة المهنية التي تجعل حضوره حضورًا للمساءلة لا للتفاعل.

لأن رسالة السلطة الرابعة هي مساءلة السلطة باسم المجتمع لا مجاراتها.

إن قيمة هذا المؤتمر لا تقاس فقط بما قيل فيه وإنما بما كشفه من حاجة دائمة إلى ترسيخ ثقافة الحوار المباشر بين مؤسسات الدولة ووسائل الإعلام .

فالحوار المنتظم لا يخدم السلطة وحدها ولا الإعلام وحده بل يخدم المجتمع الذي من حقه أن تصل إليه المعلومات عبر أسئلة مهنية وإجابات واضحة.

وختاما كان المؤتمر منصة لتوجيه رسائل متعددة الأبعاد:

• للرأي العام بالانفتاح وإذابت الجليد بين الرئيس والصحافة.

والوعي بمعضلة الفساد وكونها تحتاج وعيا جماعيا وهي مسؤولية الجميع كل من موقعه...

• وللنخبة بالجاهزية للحوار دون خطوط حمراء وأن بناء الوطن يكون بالقدرة على استقلال الموارد الاقتصادية...

• وللخارج بتكريس مناخ النقاش العلني وقد كشف اللقاء أكثر مما أعلن وأظهر رغبة السلطة في ضبط الخطاب مع صحافة متفاوتة الجرأة والإعداد تحمل أحيانا أجنداتها مختلفة أكثر مما تحمل هموم الناس 

و الحاجة الماسّة لإعادة جسر التواصل بين الرسالة الإعلامية وتطلعات المواطن البسيط.

 

j