في خضمّ النقاش الدائر حول المواد المحصّنة، يتجاوز الجدل حدود التأويل القانوني ليطرح سؤالًا سياسيًا مركزيًا: كيف تُدار لحظة التحوّل دون الإخلال بتوازن الدولة أو تعريض استقرارها للاهتزاز؟ فالقضية، في جوهرها، ليست صراعًا بين نصّ وواقع، بل اختبار لقدرة الفعل السياسي على التوفيق بين مقتضيات الشرعية ومتطلبات الاستقرار ضمن سياق وطني دقيق.
وفي هذا الإطار العام، يبدو من المهم التوضيح أن الهدف من هذه السطور لا يتمثل في التراجع عن موقف سابق، ولا في إعادة تموضع ظرفي، بقدر ما هو محاولة للبحث عن مخرج إصلاحي يراعي تعقيد المرحلة، ويستحضر في آن واحد مقتضيات النص وإكراهات الواقع.
ذلك أن المواطن لا يقيس هذا النقاش بمعايير دستورية مجرّدة، بل بمدى انعكاسه على انتظام حياته اليومية: استمرارية الخدمات، وضوح السياسات، واستقرار الأفق العام. ومن هذه الزاوية تحديدًا، فإن أي مقاربة تتجاهل هذا البعد العملي، مهما بلغت وجاهتها القانونية، تظل ناقصة من حيث الأثر، ومحدودة من حيث الجدوى.
وانطلاقًا من هذا الاعتبار، يكتسب موقف رأس النظام، الذي أعلن بوضوح عدم السعي إلى مأمورية ثالثة، أهمية خاصة، لأنه يحدد سقف النقاش ويؤطره ضمن منطق احترام المبدأ، دون أن يلغي الحاجة إلى التفكير المسؤول في شروط تنزيله. فالتحدي، تبعًا لذلك، لم يعد متعلقًا بالنص في ذاته، بل بكيفية إنفاذه دون كلفة سياسية أو مؤسسية مرتفعة.
وفي ضوء هذا التحديد، تتقابل مقاربتان رئيسيتان:
الأولى، تُشدّد على قدسية النص الدستوري، وترى في احترام المواد المحصّنة خطًا أحمر لا يجوز تجاوزه، باعتباره الضامن الأول للمكسب الديمقراطي وترسيخ التداول السلمي على السلطة. وهي مقاربة تملك قوة معيارية لا يمكن التقليل من شأنها.
غير أن المقاربة الثانية، وعلى نحو مكمّل، تنطلق من سؤال لا يقل وجاهة: ماذا لو تحوّل التطبيق الحرفي للنص، في ظرف غير مكتمل الشروط، إلى مدخل لعدم الاستقرار؟ وهل يمكن للنص، في غياب بيئة سياسية ومؤسسية ناضجة، أن يؤدي وظيفته دون أن يُنتج ارتباكًا في مسار الدولة؟
ومن هنا تحديدًا، يتبلور الطرح التوافقي بوصفه خيارًا عقلانيًا، لا تسوية ظرفية. فهو لا يسعى إلى إضعاف النص، ولا إلى الالتفاف عليه، بل إلى تأمين شروط فاعليته. إنه محاولة لردم الفجوة بين من يتمسكون بحرفية النص باعتبارها ضمانة للشرعية، ومن يرون أن استمرارية النهج، في لحظة معينة، قد تكون ضرورة لتفادي فراغ سياسي في ظل غياب بدائل مكتملة على مستوى الساحة الوطنية.
وبهذا المعنى، تتضح طبيعة الإشكال: فالمسألة ليست اختيارًا بين الشرعية والاستقرار، بل إدراك أن الشرعية نفسها قد تفقد مضمونها إذا لم تُسند باستقرار يحميها، وأن الاستقرار، بدوره، يفقد معناه إن لم يكن مؤطرًا بمشروعية واضحة.
وتأسيسًا على ذلك، يصبح النص إطارًا لتنظيم الانتقال، لا غاية قائمة بذاتها. فقوته لا تُقاس فقط بصلابته، بل بقدرته على أن يُطبّق في سياق يضمن تحقيق أهدافه دون أن يُربك الدولة أو يُضعف مؤسساتها. فالتشبث بالوسيلة، مع إغفال شروط تحقيق الغاية، قد يقود إلى نتائج تناقض روح النص نفسه.
وعند إسقاط هذا التصور على واقع المشهد السياسي، يتبيّن أن معضلة البديل لا تزال قائمة. فلا في صفوف الأغلبية تبلورت قيادة جامعة قادرة على حمل المرحلة بثقة، ولا في المعارضة نضج مشروع متكامل يُقنع بقدرته على إدارة الانتقال بسلاسة. وهو معطى لا يمكن القفز عليه في لحظة تتطلب أعلى درجات المسؤولية السياسية.
وفي ظل هذا الواقع، يتخذ السؤال بعدًا أكثر إلحاحًا: هل يُدار الانتقال وفق جدول زمني مجرد، أم وفق تقدير واقعي يوازن بين احترام المبدأ وضمان استمرارية الدولة؟ وهل تكون الأولوية للشكل، أم للمضمون الذي وُضع النص من أجله؟
ومن هذا المنطلق، تبدو المقاربة التوافقية خيارًا وظيفيًا لا تأويليًا؛ فهي لا تُعيد تعريف الشرعية، بل تُحصّنها من أن تتحول إلى عامل توتر في لحظة حساسة. وهي، في الآن ذاته، لا تبرّر الاستمرارية لذاتها، بل تربطها بشرط واضح: أن تكون مؤقتة، ومؤطرة، وموجهة نحو تهيئة بيئة سياسية ومؤسسية أكثر جاهزية لتطبيق النص في أفضل شروطه.
وعليه، فإن المقاربتين لا تتناقضان بقدر ما تتكاملان: إحداهما تُثبّت المبدأ، والأخرى تؤمّن شروط إنفاذه. وأي فصل بينهما لا يُنتج سوى اختلال في التوازن الذي تحتاجه الدولة في هذه المرحلة.
هنا يتضح جوهر المسألة: ليس التحدي في الاختيار بين النص والواقع، بل في القدرة على تحويل النص إلى أداة لحلّ الواقع، لا إلى عامل يُعقّده.
وفي ضوء ذلك، تتحدد مسؤولية الفعل السياسي: أن يحمي الشرعية دون أن يغامر بالاستقرار، وأن يصون الاستقرار دون أن يُفرغ الشرعية من محتواها. فالدول لا تنهار حين تختلف في النصوص، بل حين تعجز عن إدارة انتقالاتها بحكمة، أو حين تُغلب أحد منطقين على حساب الآخر.
وهنا يُقاس نضج الفعل السياسي: بقدرته على صون الشرعية دون إرباك الاستقرار، وحماية الاستقرار دون إفراغ الشرعية من مضمونها. كما أن دقة هذه المرحلة وحساسيتها تقتضي أن تُدار بروح الحكمة، وعلى أيدي الحكماء، لا أن تُترك رهينة حسابات ضيقة أو مصالح خاصة.








