قراءة في مقال “الحوار الوطني: ظلّ المأمورية”/ محمد لحظانه

في مقالها المعنون “الحوار الوطني: ظلّ المأمورية” (Dialogue national : l’ombre du mandat)، تقدّم الكاتبة النانه بنت شيخنا ولد محمد الأغظف قراءة متأنية لمسار الحوار الوطني، لا تكتفي برصد الوقائع، بل تنفذ بهدوء إلى ما يحيط بها من تساؤلات، وما تفتحه من أفق للتأمل.

ما يلفت في هذا الطرح هو قدرته على الموازنة بين حق التساؤل وواجب المسؤولية؛ إذ لا ينجرف نحو الأحكام الجاهزة، ولا يكتفي بعرض سطحي للأحداث، بل يسعى إلى تفكيك ما يبدو غامضًا أو غير مكتمل. وهي مقاربة تُثري النقاش العام، لأنها تفتح المجال للتفكير بدل أن تُغلقه بإجابات نهائية.

غير أن تثمين هذا النوع من الكتابة لا يعني بالضرورة تبنّي كل ما يذهب إليه، بقدر ما يعكس قناعة أعمق بأن تنوّع الآراء—حين يُعبَّر عنه برصانة—يُعد شرطًا أساسيًا لنجاح أي حوار جاد. فالحوار، في جوهره، لا يقوم على تطابق المواقف، بل على القدرة على إدارة الاختلاف ضمن أفق مشترك، يحفظ للجميع حق التعبير ويؤسس لإمكانية التلاقي.

وفي هذا السياق، تبرز بعض القضايا التي قد تبدو محسومة في نظر فاعلين كُثر، وفي مقدمتها موضوع المأموريات. غير أن الإشكال لا يكمن فقط في الموقف من هذه القضايا بحد ذاتها، بل في كيفية إدراجها ضمن مسار الحوار: هل تُطرح باعتبارها موضوعًا قابلًا للنقاش؟ أم تُستبعد سلفًا باعتبارها خارج نطاق التداول؟ هنا تحديدًا يتحدد معنى الحوار وحدوده.

فالحوار الذي يُراد له أن يكون جامعًا، لا يمكن أن يُبنى على انتقاء مسبق للمواضيع أو تضييق لمسارات النقاش قبل انطلاقه. بل إن استبعاد بعض القضايا بشكل قبلي قد لا ينسجم مع الفكرة الأصلية للحوار، التي تقوم على الانفتاح لا على التوجيه، وعلى الاستيعاب لا على الإقصاء. ذلك أن ما يُقصى في البداية، قد يعود لاحقًا كعنصر توتر بدل أن يكون موضوع نقاش منظم.

ومن هنا، فإن الرهان الحقيقي لا يكمن فقط في إطلاق الحوار، بل في ضمان شروطه: وضوح الأهداف، وتكافؤ فرص التعبير، وبناء مناخ من الثقة يسمح بطرح مختلف القضايا دون حرج أو توجّه مسبق. وعند توفر هذه الشروط، لا يعود الاختلاف عائقًا، بل يتحول إلى مصدر غنى، تُدار نتائجه عبر آليات ديمقراطية واضحة، يكون فيها الاحتكام للأغلبية تعبيرًا عن إرادة جماعية، لا إلغاءً لبقية الآراء، بل تنظيمًا لها ضمن إطار مؤسسي.

يبقى التحدي، إذن، في صيانة روح الحوار: روح الانفتاح، والجدية، والثقة. فبدون ذلك، قد يفقد مساره معناه، ويتحوّل من فرصة للتلاقي إلى محطة عابرة في سياق تتكرر فيه المبادرات دون أن تترك أثرًا عميقًا.

هكذا فقط يمكن أن يستعيد الحوار مكانته، كمسار يُبنى بالإرادة، ويترسخ بالوضوح، ويُحسم بالديمقراطية…
وهكذا نفهم الحوار، لا كإجراء عابر، بل كأفق يُصاغ بهدوء، وتُبنى عليه الاختلافات قبل التوافقات.

 

 

j