في كل مرة يُفتح فيها ملف الانتخابات داخل جامعة الدول العربية، يتجدّد الإحساس بأننا نعيد إنتاج المشهد ذاته، مع تغيير محدود في الوجوه، دون أن يتبدّل جوهر الفعل أو يتقدّم أثره.
ليس الاعتراض على شخص، ولا على دولة بعينها، فجمهورية مصر العربية كانت ولا تزال ركيزة أساسية في العمل العربي المشترك ، تاريخًا ودورًا وثقلاً. لكن السؤال الهادئ الذي يفرض نفسه ماذا يضيف أن يُنتخب أمين عام من نفس الدولة التي شغلت هذا المنصب لعقود، ليخلف أمينًا عامًا من الدولة ذاتها؟
في ظاهر الأمر، تبدو العملية طبيعية، تسير وفق الأعراف والتوازنات المعروفة. لكن في عمقها، تكشف عن نمط من الاستمرارية التي تقترب من التكرار أكثر مما تلامس التجديد. فحين تدور المواقع داخل نفس الدائرة، يصبح التغيير أقرب إلى إعادة ترتيب داخلي، لا إلى فتح أفق جديد للعمل العربي المشترك. تتعمّق هذه المفارقة حين نضعها في سياق الواقع العربي المثقل بالأزمات:
ليبيا تبحث عن استقرار مفقود،
والسودان يواجه اختبار البقاء،
وسوريا لا تزال جراحها مفتوحة،
واليمن يرزح تحت تعقيد الصراع،
وحتى دول الخليج تعيش تحولات دقيقة في بيئة إقليمية متقلبة،
كما يواجه لبنان أزمة مركبة تتداخل فيها السياسة بالاقتصاد، وتبقى فلسطين جرحًا مفتوحًا، تتجدد مآسيه مع كل منعطف.
في ظل هذا المشهد، لا يبدو أن إعادة إنتاج نفس المعادلة القيادية قادرة، وحدها، على إحداث الفارق. وكأننا نُحسن إدارة الاستمرارية، دون أن ننجح في صناعة التحوّل.
ولعل ما يزيد من هذا الإحساس، أن المؤسسة نفسها – رغم رمزيتها – تبدو أحيانًا أقرب إلى إطارٍ يحافظ على التوازنات ويوفّر الاستمرارية الإدارية، أكثر مما يقود المبادرة أو يصنع الفعل. حتى ليخيّل للبعض أنها، في جانب من جوانبها، تؤدي وظيفة أقرب إلى “استيعاب الكفاءات وتوفير المواقع”، لا إلى تحريك الملفات الكبرى التي تثقل كاهل المنطقة.
ليس المقصود هنا التقليل من أهمية الاستقرار المؤسسي، ولا تجاهل وزن الأعراف التي تحكم العمل العربي، بل التساؤل عن جدوى استمرارها بالشكل ذاته، في لحظة تاريخية تحتاج إلى قدر أكبر من الجرأة في إعادة التفكير، والانفتاح على صيغ أكثر تنوعًا وتمثيلاً.
فالتغيير، في معناه العميق، لا يكون فقط بتبديل الأشخاص، بل بتوسيع دوائر الاختيار، وفتح المجال أمام مقاربات جديدة، تعكس تنوّع الواقع العربي وتحدياته.
بهذا المعنى، تتضح الفكرة ليست القضية من يأتي، بل كيف يأتي، ومن أي أفق، وبأي قدرة على إحداث الفرق. فحين يبقى المسار نفسه، لا يكفي أن يتغيّر الاسم لأن التكرار، مهما بدا منظمًا، لا يصنع تحولًا.








