سادت حالة من الحزن والذهول مواقع التواصل الاجتماعي عقب الرحيل المفاجئ للصحفي عبد الله محمد الناهي، في صدمةٍ لم تكد الأوساط الإعلامية تستوعبها.
ومنذ اللحظات الأولى لانتشار الخبر، تحوّل "الفضاء الأزرق" إلى دفتر عزاء مفتوح، امتلأ بكلمات الوداع والشهادات الصادقة التي عكست حجم الأثر الذي تركه الراحل في نفوس زملائه وأصدقائه وكل من عرفوه.
التدوينات التي توالت تباعا لم تكن مجرد تعاز عابرة، بل شهادات حياة، حيث كتب مدير موقع "تجكجه إنفو" إسلم ولد الطالب أحمادو أن "الطيبين لا يعيشون أعمارا طويلة"، مستعيدا خمس سنوات من العمل المشترك مع "شاب صادق، نزيه، أمين، ناصح وسند"، مؤكدا أن مشهد المئات الذين احتشدوا في جامع الرابع والعشرين للصلاة عليه كان ترجمة عملية لما زرعه من محبة في القلوب.
أما الصحفي عبد الله الخليل، فاستعاد اثني عشر عاما من الرفقة، واصفا الراحل بأنه "فتى نبيل القيم، جزيل الخصال، مخلص في عمله وثابت في مبادئه"، قبل أن يعود إلى بدايات تجربة "موريتانيد" سنة 2013، حين كان عبد الله فتى غرفة التقارير، متحكما في اللغة والسياق، بعيدا عن الحشو والضجيج.
وأشار إلى زهده في الشهرة والمال، وصبره على الألم بصمت، حتى لحظاته الأخيرة.
الصحفي أحمدسالم أشفغ عبد الله كتب بوجع: "ما عهدناك إلا بلسم الروح.. تعالج القلوب بلطفك وهدوئك"، مستحضرا ابتسامته الدائمة في قاعات التحرير، وحرصه على الجمع بين الدنيا والآخرة. واعتبر أن الصحافة فقدت برحيله أحد شبابها المتميزين، ممن عضّوا على المهنة بشرف ومسؤولية.
وتكررت في التدوينات صورة عبد الله الهادئ، المبتسم، المتقن لعمله، الزاهد في الأضواء. السالك زيد استعاد أيام الجامعة وإذاعة موريتانيد، حيث جمعهما برنامج "عين على الثقافة"، مؤكدا أن عبد الله مارس الصحافة بنبل وعظمة، وجسد شخصية الصحفي الملتزم برسالته فقط. بينما رأى يعقوب ولد بياه أن "شيئا ما تكسر في الداخل" بفقده، في اعتراف صادق بعجز الكلمات أمام هول الصدمة.
الصحفي إمام الدين ولد أحمدو استعاد مسار الفقيد منذ بداياته الأولى في "المذرذرة اليوم"، واصفا إياه بأنه "موطئ الأكناف، يألف ويؤلف"، وأن سكينته كانت تنعكس في حديثه كما في صمته، بل إن "صمته كان أبلغ من كثير من الكلام".
وأكد أن الناهي حافظ على تواضعه رغم بروز اسمه سريعا في الساحة الإعلامية، وظل متمسكا بقيمه في زمن صعب، متقنا في تحريره، دقيقا في اختياراته، جادا ومخلصا، "من أولئك الذين يتركون بصمتهم دون ضجيج"، كما اعتبر أن حجم المشيعين في جنازته كان دليلا على مكانته الجامعة ومحبة الناس له.
من جهته، كتب المدون البراء محمدن أن الراحل "رحل في سكون يشبه حياته"، مشيرا إلى صفاته التي لازمته حتى النهاية: الهدوء، نقاء السريرة، وخفة الأثر المصحوبة بعمق الحضور.
أما عبد الباقي العربي فوصفه بأنه "أحد فرسان صاحبة الجلالة"، مؤكدا أنه لم يكن مجرد صحفي، بل إنسانا دمث الأخلاق، حاضر الابتسامة، صادق الكلمة، يؤدي رسالته الإعلامية بشغف وإخلاص. وأضاف أن الساحة الإعلامية فقدت برحيله صوتا واعدا، بينما فقد زملاؤه إنسانا نادرا في طيبته وسمو أخلاقه، غير أن "الذكر الطيب لا يموت".
بدوره، أكد مدير مكتب قناة الموريتانية في أكجوجت عبد الله يسلم عثمان أن عبد الله كان من الصحفيين الشباب الذين آمنوا بالمهنة ولم يساوموا عليها، واصفا إياه بـ "المبتسم الصبور" الذي رحل في أوج عطائه، مذكرا بحقيقة الرحيل التي تطال الجميع، وإن اختلفت مواعيدها.
شهادات أخرى جاءت من دبلوماسيين ومدونين وصحفيين، أجمعوا على خلقه الرفيع، ونقاء سريرته، وحرصه على معاملة الناس بلطف وكياسة.
لم يكن عبد الله الناهي مجرد اسم في سطر عابر، بل كان مدرسة في الهدوء والمهنية والوفاء.. خدم الإذاعة والتلفزيون والصحافة المكتوبة والإعلام الرقمي دون ضجيج، وترك في كل محطة أثرا طيبا لا يُمحى، حتى جنازته، بحشودها ودموعها الصامتة، بدت درسا أخيرا في معنى السيرة الحسنة.
رحل عبد الله، لكن الذكر الطيب لا يرحل، ترك خلفه قلوبا موجوعة، وسيرةً ناصعة، وأثرا سيظل حيا في ذاكرة المهنة وأهلها.
رحمه الله رحمة واسعة، وجعل ما زرعه من محبة وإخلاص في ميزان حسناته، وألهم أهله ومحبيه الصبر والسلوان.








