لأول مرة في تاريخها تقود موريتانيا حملة قوية لترحيل المهاجرين غير النظاميين القادمين من منطقة افريقيا جنوب الصحراء، وبقطع النظر عن دوافع علميات الترحيل الحالي-التي يرجح البعض انها تأتي ضمن اتفاقية مع الإتحاد الأوروبي-إلا أنها في المستقبل ستنعكس على صورة موريتانيا كبلد مضياف، ظل استثناءً في محيطه الشمالي في إيواء المهاجرين الأفارقة، كما أنها قد تؤثر سلبا علاقات موريتانيا ومصالح جالياتها في افريقيا. وقد بدأت بالفعل بوادر هذا الأمر من خلال تقاطر الوفود الافريقية الرسمية لدول المرحلين على نواكشوط برسائل تحمل في طياتها عبارات من عدم الرضى عن "سوء المعاملة" التي يتعرض لها المرحلين من التوقيف الي الترحيل.
لماذا يتدفق المهاجرون على موريتانيا؟
يعين طرح هذا السؤال على فهم موضوعي لأسباب تدفق المهاجرين الي موريتانيا باعتبارها محطة رئيسية لعبور اغلبهم الى الحلم الأوروبي، فمن المعروف أن موريتانيا ليست المحطة الاخيرة لمعظم هؤلاء المهاجرين، بل إن بعضهم يقد يكون اختارها على أساس عدة اعتبارات، قد يكون رأسها اتباع خط مسار التهريب الذي تحدده له شبهات التهريب التي يتعامل معها.
وبناء على ما سبق فإن ثمة عوامل وأسباب جوهرية لفهم أسباب تدفق المهاجرين على البلد، ومن أهمها:
-صعوبة المسارات القديمة: كان المهاجرون القادمون من افريقيا جنوب افريقيا يتخذون تقليديا من مسار البحر الأبيض المتوسط أحد المسارات الرئيسية للوصول الي اروبا، لكن بفعل تشديد الرقابة على هذا المسار والأوضاع المخاطر الأمنية المستجدة، أصبح مسار المحيط وجهة مفضلة للمهاجرين.
-التراجع عن اتفاقيات الهجرة مع الأوروبيين: بعد خلافات دول الساحل مع المحور الأوروبي، أصبح عبء تحمل مواجهة الهجرة غير النظامية يقع على موريتانيا، لأنها تعتبر الشريك الأكثر التزاما وعلاقةٌ بالأوروبيين، وذلك بعد ان قطعت دول الساحل الثلاث (مالي، النيجر، وبوركينا فاسو) جميع اشكال التعاون في مجال الهجرة مع الأوروبيين.
-الوضع الأمني والاقتصادي الضاغط في الساحل: تُغذي صعوبة الوضع الأمني في المنطقة وانعكاساته على الأوضاع المعيشية بشكل كبير عامل تدفق الهجرة، وبالتالي فكلما اتجهت المنطقة للمزيد من عدم الاستقرار فإن وتيرة الهجرة غير النظامية ستزداد بشكل حتمي.
-نشاط شبكات الهجرة في موريتانيا: يعتبر هذا الجوانب أحد الجوانب الرئيسية المسكوت عنها في موضوع الهجرة، فلا يعقل أن يتم هذا التدفق الكبير للمهاجرين على موريتانيا دون وجود شبكات منظمة ومتمرسة ومحمية لتنظيم الهجرة، وبالتالي فإن أية سياسات لمحاربة الهجرة لابد لها من التصدي الحازم أولا لهذه الشبكات ولمن يوفر لها الرعاية والحماية ويستفيد من ريعها مهما كان موقعه وصفته.
هل يمتلك الموريتانيون نظرة موحدة تجاه ملف الهجرة؟
تتفاوت مواقف الموريتانيين تجاه موضوع معالجة هذا الملف الحساس، وينطلق هذا التباين من زوايا مختلفة تطغى عليها الابعاد الديمغرافية والاقتصادية، ومن هنا يمكن أن نرصد رؤية الموريتانيين للمعالجة الرسمية للهجرة في الاتجاهات التالية:
-خطاب سياسي خافت: الواضح أن القوى السياسية الحزبية في موريتانيا متحفظة في هذا الموضوع، فلا توجد بيانات سياسية واضحة وقوية تقف مع ترحيل المهاجرين غير النظاميين، ولا أخرى تؤيد بقوة هذا الموضوع. فالتصريحات والمواقف التي صدرت في هذا الموضوع اختارت أن تكون متوازنة في رؤيتها لمعالجة الموضوع.
-انقسام مجتمعي حول الظاهرة: مجتمعيا، يلاحظ انه يوجد انقسام واضح بين المكونات الموريتانية بخصوص هذه الظاهرة، ففي الوقت الذي يعتبر بعض أن الهجرة الحالية خطيرة على التركيبة الديمغرافية لبلد يعتبر المكون العربي أحد مكوناته الرئيسية، يعتبر الرأي المخالف أن هذا الطرح يتماهى مع طرح "اليمين المتطرف"، وأنه ليس من المناسب إظهار موريتانيا كبلد "عنصري" رافض للأفارقة.
-الضغط الاقتصادي للمهاجرين: يعلل أصحاب هذا الطرح أن موريتانيا تواجه صعوبات اقتصادية واجتماعية، وانه في ظل تزايد اقبال المهاجرين فإن الأمر يؤثر على الاقتصاد المحلى، كما أنه قد يحرم آلاف المواطنين من أعمال سيمتهنها المهاجرون.
-الترحيل مقابل الترحيل: هناك من يرى بأن الشعب الموريتاني شعب مهاجر بطبعه، وبالتالي ليس من صالحه استهداف جاليات قادمة من بلدان افريقية يعيش فيها عشرات الآلاف من الموريتانيين، اللذين يوفرون الأمان المعيشي لآلاف الأسر الموريتانية في الجنوب والشرق والوسط من البلاد.
هل بات استمرار الترحيل يُغضب دول المصدر؟
تفهمت دول رعايا المهاجرين غير النظاميين للوهلة الأولى عمليات ترحيل المهاجرين، لكنها سرعان ما تراجعت عن هذا الموقف بعد استمرار الترحيل، لتنتقل الى مرحلة من المغاضبة تجاه سلطات نواكشوط، غذتها الشهادات المتواترة للمرحلين بتعرضهم لسوء العاملة، فقد اوفدت السنغال وزيرة خارجيته برسالة خطية للرئيس الموريتاني ولد الغزواني، وذلك بعد أيام من تصريحات لهذه الوزيرة تتهم موريتانيا بسوء المعاملة، كما حمًل الرئيس الانتقالي المالي وزيري الخارجية والماليين في الخارج برسالة للرئيس الموريتاني تضمنت في طياتها احتجاجا من السلطات المالية على عمليات الترحيل، وفي نفس السياق سارت الدبلوماسية الغامبية.
وفي ظل الوضع الراهن، لا يستبعد مراقبون أن تكون هذه الحركة الدبلوماسية بداية لتوتر دبلوماسي بين موريتانيا ودول المرحلين، وقد يأخذ هذا التوتر في المستقبل أوجه متعددة قد يكون من بينها استهداف الجاليات الموريتانية في افريقيا، وعودة استفزازات الجيش المالي على الحدود الموريتانية.